العربية لغة المستقبل



قامت بعضُ الهيئاتِ العربية التي تهتمُّ بالدراسات اللغوية بدراساتٍ عن اللغات التي تتصفُ بصفات القوة التي تجعلُها تقاومُ الفناءَ والاندثار والاضمحلال.



وخلَصت هذه الدراساتُ إلى اختيار ست لغات يُرجَّح أن يكتب لها البقاءُ مستقبلا؛ من هذه اللغاتِ اللغةُ العربية، ولكنهم لم يعدوا العربيةَ في مقدمة هذه اللغات.



ومع التحفظ على نتائج هذه الدراسة، فإنا نجزم بأن اللغة العربية تتميزُ بما لا تتميزُ به أي لغة أخرى، وهذا ما يُقِر به الغربيون أيضًا، والفضلُ ما شهدت به الأعداءُ، فهذا المستشرق الغربي الفرنسي (رينان) -وهو معروفٌ بتعصبه الشديد وبغضه للعرب- يقول: إن هذه اللغة تميزت بالنضج من أول ظهور لها وحتى الآن، فلا يُعرف لها طفولة، ولا يعرف لها شيخوخة، برغم أنها ظهرت وسط أقوامٍ متفرقين بدوٍ مرتحلين ليست لهم دولةٌ ولا مدينة ولا حاضرة متحضرة.



وكفى بمثل هذا القول من هذا الغربي المتعصب الذي يقر بأن اللغة العربية لغة قوية ليست كأي لغة.



ونعود للإحصائيات؛ حيث أجريت إحصائيات تقضي بأن اللغة الإنجليزية لن تتعدى خمسًا وسبعين ومائةً من السنين وتنقرض.



والفرنسية لن تتعدى خمسين ومائة سنة.



وقد حكى لنا شيخُنا الدكتور فتحي جمعة -أستاذ اللغويات بدار العلوم- قصةً عجيبة؛ أن جماعة من العلماء الروس وضعوا النفايات النووية في أماكن بعيدة يُتوقع العثور عليها بعد أربعة أو خمسة قرون، فأرادوا أن يكتبوا رسالةً لهذه الأجيال المستقبلية، فبحثوا وفتشوا واستفتوا أهلَ الخبرة باللغات ليعلموا اللغة التي يمكن أن تبقى بعد هذه القرون الطويلة، فلم يجدوا لغة يمكن أن تبقى هذه المدة الطويلة إلا اللغة العربية، فكتبوا رسالتهم باللغة العربية، فانظر إلى هذه الأمة البعيدة عن العربية كيف يشهدون بأن اللغة العربية هي لغة المستقبل؟!



لمثل هذا يذوب القلب من كمد..!



وحديثُ العربية حديثٌ طويل ذو شجون، حيث ملئ بالحرب عليها من غير أهلها، وكذلك -ويا للأسف!- من أهلها، ففي حين تعتز دولة كفرنسا بلغتها اعتزازًا نحن أولى بمثله، نُلقي نحن بِلُغَتِنا تحت الأقدام نابذين لها ورافضين.



كانت هناك مذيعة فرنسية في التليفزيون الفرنسي تجرى حوارًا مع رجل ألماني، مسئول من المسئولين أو نحو ذلك، وكان الحوار يجرى بالفرنسية فقط من الطرفين، ثم سألته سؤالا ولكن استعصت نقطةٌ واحدة من ألفاظ السؤال على فهمه، فذكرت له الكلمةَ بالألمانية حتى يفهم.. وفى اليوم التالي أقيلت هذه المذيعةُ من عملها! ولكن لماذا..؟ لأنها تكلمت بكلمة ألمانية واحدة في التليفزيون الفرنسي وسمعها ملايين الفرنسيين.



أين نحن من ذلك؟! يحسب (المثقف العربي) أنه ما دام يتكلم بلغات أخرى غير العربية فهو بهذا قد بلغ منتهى الثقافة والعلم والتحضر، بل ينظر للعربية نظرة احتقار وتنقص، وقل من يحسن العربية فضلا عمن يدافع عنها ويذب الطاعنين عنها.



وقد واجهت اللغةُ العربية -منذ أوائل القرن العشرين- حربًا شديدة على يد الاستعمار (وهو عن العمار بعيد) حيث كانت كل دولة أجنبية تحاولُ أن تفرض لغتَها على الدولة المحتلة، فرنسيةً كانت لغتُها أو إنجليزية، ويكفي أن يعلم ما حدث من (فرنسه) في بلاد المغرب، يعلم آثارها الآن كلُّ من قرأ أو سمع شيئًا من أخبار المغرب، حيث ترى أكثر المغاربة يتحدثون الفرنسية بطلاقة، ربما أكثر من لغتهم العربية.



وهكذا أو ما يقرب منه في كل البلاد المحتلة، وفى مصر رأينا خطة المحتل في تدمير التعليم وتغير الأساس الثقافي للتعليم من العربية إلى الإنجليزية.



وظهرت بعد ذلك مدارسُ تدرس باللغة الإنجليزية، وهي مدارس أجنبية في أرض عربية ولا يخفى الخطة الغربية لتحويل الأمة عن هويتها. ليس إلى هوية أخرى بل إلى (لا هوية). تحويلها إلى مسخ لا عربي إسلامي ولا هو لهويتهم ينتسب، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.



وقد نجحوا في ذلك أيَّما نجاحٍ، وظهرت بعد ذلك مدارسُ اللغات التي تدرس لغات أجنبية من أول مراحلها.



وكانت هناك محاولات كثيرة للكَيْدِ للعربيةِ؛ مثل محاولات بعض (المبرِّزين) المصريين أن يزيد في طريقة الكتابة العربية حروفًا تدل على الحركات مثل الكتابة بالحروف اللاتينية.



وكذلك محاولات الدعوة إلى العامية أن تكون وسيلةَ الكتابة بدلا من الفصحى، ويكون الكلام والتأليف والتعامل بها في كل شيء بدلا من الفصحى.



إلي آخر محاولات الحرب على العربية من قبل أهلها. كيف نحس ونحن نقرأ عن مثل هذه المؤامرات على لغة العرب والمسلمين لغة القرآن والسنة؟!

أَلَمٌ.. أيُّ ألم..



فكيف إذًا يا أخي وماذا فعل اليهود بلغتهم..!



اعلم -وفقك الله– أن اللغة العبرية فرعٌ من فروع اللغات السامية –مثل العربية– ولكنها لم تصمد للاندثار والاختفاء أمام زحف اللغات الأخرى، وجاء عليها وقتٌ سادت فيه اللغةُ الآرامية عليها، وانتقل الناس للتعامل والخطاب بالآرامية تاركين العربيةَ لتندثر تمامًا وليكتب عليها الفناءُ التام، وذلك منذ القرن السادس قبل الميلاد، وتركها أهلها أنفسهم، وجعلوا مكانَها الآرامية وسيلة للتعامل بينهم في حياتهم اليومية، وانحصرت في معابد اليهود في نطاق ضيق جدًّا، واختفت من دنيا الناس، وظلت هكذا ستة وعشرين قرنًا تخلَّلتها محاولاتٌ للإحياء، لكنها سرعان ما غابت مرة أخرى وتلاشى ذكرُها تمامًا.



حتى جاء العصرُ الحديث، وظهرت فكرةُ الدولة الصهيونية، فكان من الطبيعي أن تكون أول اهتماماتهم اللغة؛ لأنها دليل على الهوية، فعادوا إلى لغتهم التي ماتت، حتى إنهم أسموا دولتهم بالدولة العبرية نسبة إلى لغتهم.



وعادت هذه اللغةُ التي كانت قد ماتت واندثرت قرونا طوالاً، عادت للحياة لدنيا الناس؛ يتحدثون بها ويكتبون، وأصبح لها عالم وكيان، بل وأصبح لها أدبٌ يُكتب بها، ويشارك في المسابقات، ويكون محلاً للدراسات الأدبية والنقدية، ويكون له جمهور من القراء.



فانظر ماذا فعل هؤلاء -على ما هم عليه من باطل- مع لغتهم التي كانت قد ماتت، فماذا فعلنا نحن مع لغتنا التي ما ماتت ولا ضعفت ولا شاخت ولا نقصت؟!



مهانة وأي مهانة لهذه اللغة التي جعلها الله لغة القرآن واصطفاها على غيرها من اللغات.



ولكن لماذا ظلت هذه اللغةُ قويةً شامخة برغم كل ما حدث لها من هجوم ومحاولات هدم وتدمير؟ خلاصة القول في ذلك أن هذه اللغة هي لغة القرآن، لذا فإنها ستظل باقيةً ما دام القرآنُ باقيًا (ولعلنا نفرد لذلك مقالا مستقلا) ولذلك يجزم علماءُ اللغة أن اللغة العربية هي لغة المستقبل، وستبقى حية قادرة على مسايرة الحضارة والتطور والتقدم.



ويدل على ذلك مقدرتُها العجيبة على استيعاب أعقد المصطلحات الغربية والتعبير عنها بمصطلحات عربية، وهذه شبهة كانت تعرض من قبل لهؤلاء المستغربين الذين يرفضون تطبيقَ اللغة العربية لغةً لدراسة العلوم التجريبية؛ كالطب والهندسة وغيرهما من العلوم التي تدرس في بلاد العرب المسلمين بلغة غير اللغة العربية منذ عشرات السنين، ولا يستثنى من ذلك إلا سوريا فقط، فإن الطب وغيره يدرس فيها باللغة العربية حتى الآن.



يقولون: إن اللغة العربية لا تستوعب المصطلحات الغربية، ومن ثم فلا بد أن تظل الدراسة باللغات الأجنبية.



وهذا أمر بعيد عن الصواب؛ فإن اللغة العربية لغة ثرية بمفرداتها وتراكيبها، بل هي من أثرى اللغات، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا إنها أثرى اللغات على الإطلاق، ولن تعجز عن أن يكون فيها مفردات تعبر عن هذه المصطلحات العلمية الحديثة، وللمجامع اللغوية العربية جهودٌ في تعريب الألفاظ والمصطلحات وأسماء الآلات والأجهزة الحديثة، وما زالوا يخرجون العشرات من الألفاظ الجديدة التي تحتملها اللغة العربية تعبيرًا عن مصطلحات وكلمات أجنبية.



ولله در حافظ إبراهيم إذ يقول على لسان العربية:
وسعت كتاب الله لفظًا وغاية
وما ضِقتُ عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
وتنسيق أسماء لمخترعات



إن اللغة العربية لغة قوية، وضع اللهُ عز وجل فيها كلَّ مقومات البقاء، فحريٌ بنا ثم حريٌ بنا أن نستعلي بها ونفتخر بها، وإن جحد الجاحدون وحقد الحاقدون وغرق في الثقافات الغربية الغارقون.